الشنقيطي
495
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
الخطأ الرابع لهم - هو اعتقادهم أن عقود المسلمين وشروطهم ومعاملاتهم كلها على الباطل حتى يقوم دليل على الصحة ، فإذا لم يقم عندهم دليل على صحة شرط أو عقد أو معاملة استصحبوا بطلانه ؛ فأفسدوا بذلك كثيرا من معاملات الناس وعقودهم وشروطهم بلا برهان من اللّه ؛ بناء على هذا الأصل وجمهور الفقهاء على خلافه ، وأن الأصل في العقود والشروط الصحة إلا ما أبطله الشارع أو نهى عنه . وهذا القول هو الصحيح ؛ فإن الحكم ببطلانها حكم بالتحريم والتأثيم . ومعلوم أنه لا حرام إلا ما حرمه اللّه ورسوله ، ولا تأثيم إلا ما أثم اللّه ورسوله به فاعله . كما أنه لا واجب إلا ما أوجبه اللّه ، ولا حرام إلا ما حرمه اللّه ولا دين إلا ما شرعه اللّه ، فالأصل في العبادات البطلان حتى يقوم دليل على الأمر . والأصل في العقود والمعاملات الصحة حتى يقوم دليل على البطلان والتحريم . والفرق بينهما أن اللّه سبحانه لا يعبد إلا بما شرعه على ألسنة رسله ؛ فإن العبادة حقه على عباده ، وحقه الذي أحقه هو ورضي به وشرعه . وأما العقود والشروط والمعاملات فهي عفو حتى يحرمها ، ولذا نعى اللّه سبحانه على المشركين مخالفة هذين الأصلين ، وهو تحريم ما لم يحرمه ، والتقرب إليه بما لم يشرعه ، وهو سبحانه لو سكت عن إباحة ذلك وتحريمه لكان ذلك عفوا لا يجوز الحكم بتحريمه وإبطاله ؛ فإن الحلال ما أحل اللّه ، والحرام ما حرمه اللّه ، وما سكت عنه فهو عفو . فكل شرط وعقد ومعاملة سكت عنها ، فإنه لا يجوز القول بتحريمها ؛ فإنه سكت عنها رحمة منه من غير نسيان وإهمال ؛ فكيف وقد صرحت النصوص بأنها على الإباحة فيما عدا ما حرمه ! وقد أمر اللّه تعالى بالوفاء بالعقود والعهود كلها فقال : وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ [ الإسراء : 34 ] ، وقال : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ [ المائدة : 1 ] ، وقال : وَالَّذِينَ هُمْ لِأَماناتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ راعُونَ ( 8 ) [ المؤمنون : 8 ] ، وقال تعالى : وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذا عاهَدُوا [ البقرة : 177 ] ، وقال تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ ( 2 ) كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ ( 3 ) [ الصف : 2 - 3 ] ، وقال : بَلى مَنْ أَوْفى بِعَهْدِهِ وَاتَّقى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ ( 76 ) [ آل عمران : 76 ] ، وقال : إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْخائِنِينَ ( 58 ) [ الأنفال : 58 ] وهذا كثير في القرآن . وفي صحيح مسلم من حديث الأعمش عن عبد اللّه بن مرّة عن مسروق عن عبد اللّه بن عمرو قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « أربع من كن فيه كان منافقا خالصا ، ومن كانت فيه خلّة منهن كانت فيه خصلّة من النفاق حتى يدعها : إذا حدث كذب ، وإذا عاهد غدر ، وإذا وعد أخلف ، وإذا خاصم فجر » « 1 » . وفيه عن أبي هريرة عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « من علامات المنافق ثلاث إذا حدث كذب ، وإذا وعد أخلف ، وإذا ائتمن خان » . وفي رواية : إن صام وصلى
--> ( 1 ) أخرجه مسلم في الإيمان حديث 106 .